خليل الصفدي
446
أعيان العصر وأعوان النصر
الجليلة وعاش بها وعاشرها ، ولم أر من يكتب أسرع منه ولا أقوى ، ولا أعرف بالمصطلح في الدولة ، ولا أحوز لمعرفة عوائدها ولا أحوى ، يكون مرتفقا على مدوّرة ، والورقة في يده اليسرى مهورة ، فيأخذ القلم ، ويكتب ما يريده ، ويلقيه أسرع من البرق ، وأعجل من الشمس التي يكون ضوؤها في الغرب وهي في الشرق ، وكان إذا وضع القلم في أول السطر وكتبه ، لا يرفعه إلى آخره قدرة على الكتابة كأنما يمد بسبب . وكان مع جلالة منصبه كثير الأدب ، زائد التواضع إذا أمر أو نهى أو طلب ، وكتب بخطه المليح ربعة مليحة ، واعتنى بأمرها فجاءت جيدة صحيحة ، وكان يتغالى في أمداح النبي - صلّى اللّه عليه وسلم - ، ويكتبها بخطه ممن أنشدها أو تكلم . ولم يزل بدمشق على نظر الدواوين ، إلى أن طلب إلى مصر ؛ ليعاد إلى الوزارة ، فتوجّه إليها ، ولم يصل إلا وأمره قد نقصه من حسن العبارة ، فأقام في بيته بطالا إلى أن قبض عليه ، وأخذ روحه قبل ما لديه . وتوفي - رحمه اللّه - تحت المصادرة والعقاب ، وطلب الأموال منه بلا حساب ، وذلك في سنة أربعين وسبعمائة . وكان قد ولي الوزارة ؛ عوضا عن الأمير سيف الدين بكتمر الحاجب بالديار المصرية في شهر ربيع الآخر سنة إحدى عشرة وسبعمائة ، ثم عزل منها ، وتولى الوزارة بعده الأمير بدر الدين بن التركماني في جمادى الآخرة سنة ثلاث عشرة وسبعمائة ، وصودر ، وأفرج عنه ، ثم إنه ولي الوزارة ثانيا ، فعمل عليه القاضي كريم الدين الكبير وفخر الدين ، وأخرجاه إلى طرابلس ناظرا بمعلوم الوزارة في مصر ، فوصل إليها في شهر ربيع الأول سنة ثماني عشرة وسبعمائة ، وأقام بها إلى أن حج - فيما أظن - ، واستعفى من المباشرة ، وسأل الإقامة في القدس ، يعبد - اللّه تعالى - هناك ، فأجيب إلى ذلك ، فتوجّه إليها في المحرم سنة عشرين وسبعمائة ، وله راتب يكفيه في كل مرة يعزل شاما ومصرا . ولم يزل بالقدس مقيما ، إلى أن أمسك القاضي كريم الدين الكبير في شهر ربيع الآخر سنة اثنتين وعشرين وسبعمائة ، فطلب إلى مصر على البريد ، ولما وصل في الخامس عشر من ربيع الآخر ، ولاه السلطان الوزارة مرة ثالثة . أخبرني الصاحب أمين الدين - رحمه اللّه تعالى - قال : لو علمت أنه بقي في الدنيا وظيفة يقال لها نظر خاص ما خرجت من القدس ، قلت : لم ذاك يا مولانا الصاحب ؟ قال : لأن ناظر الخاص يدخل إلى السلطان بكرة النهار ، فيتحدّث معه بكل ما يريد أن يطلقه ، وينعم به على خواصه وجواريه ومن يختاره ، ويدخل بعده ناظر الجيش ، فيتحدث معه في إقطاعات الأمراء والجند بالديار المصرية والشامية ، من الزيادات والنقصان والإفراجات ،